كاتـب الديـوان

 

 

 

 

 

 

كان يستمرئ صمت الشارع، يخلد إلى بهو الدار ليرتاد لحظة نادرا ما تزوره، ففي كل مرة تحجبها مفاتن القصر، خزائنه التي قدت من فضة، وأبوابه القشيبة عرصات قببه ومتكأ الكرسي المرصع بالذهب، لكنه يدأب في التأمل على نوتات الموسيقى، يقعد على بساط الجلد يدرب أصابعه ليسترد شيئا من صحوه لحظة باتت غاب قوسين أو أدنى.
كانت أضواء الغرف تنطفئ لتشتعل مصابيح جنب الطريق، لم يكن يخطر ببال أحد أن يخرج كاتب الديوان مفتشا عن رجل خطفه الوله إلى استجداء الطرقات ومنعرجاتها ومداخل الأحياء الشعبية ونهايتها المفاجئ، فقليلا ما يطرق الليل أحدا، لكن ذلك الرجل الذي تسلل من فتحة النافذة هاربا من أوراق يوميات كاتب الديوان على غفلة منه ضاعفت من خشيته، فالطريق تلتبس بالحق وبالباطل ومن أجل أن لا يضيع بطل قصته سار في الشارع الأعظم، ومن ضوء إلى أخر يتلفت، كانت الدهاليز ترشح بالظلام والجدران تركت أحمصها للماء، كانت الألوان تسرق بصره، تخطر في قلبه بتوهج، تلبسه أحوالا كان يفضل قتلها على المساجلة.. 
*

وقف الرجل الآخر في الطرف الآخر من المدينة، يملأ عينيه بشيء يخفيه، إذ لم يعد يطيق احتمال أصقاع ورق البردي، ويرجو في سريرته أن لا يلحق به أحد. كان يتمنى عماه ليهرب من سجن مخطوطته متدثرا بأسراره التي لم يرض أن يبوح بها إلى أحد، فكلما جاء كاتب ديوان جديد إلا وقد جعل من نفسه وليا صالحا أو يرميها بالصغر أمام الملك.
كان في كل مرة يستحث أحدهم للقرب منه، كي يرى نوره، لكن في كل مرة تهرب لحظته مع غبار الريح، وها قد أبتلي بصاحب ديوان يريد أن يخسر الدنيا من أجله، ففي كل ليلة يسهر في تدبيج الأوراق متشمما صمغها بقلب منتبه.


*

رغم زعمه أنه يعرف المكامن التي يلجأ إليها بطله إلا أنه يعترف في رهبة على قدرته في ذلك، فهو لم يجرب الحياة بين الأهالي، لكنه يعول على قلبه الكبير وذائقته الرفيعة، فأثر أن يضرب على وردة أحزانه ويصب على حنينه بصيصا من لوامع الإشراق، ومرت حيواته: ما بين الروح وظلمتها شيء موشور، تضيء الوقت للعابر ومن نعومتها يزدهي شجر الأبنوس(...)
لحظتها كانت الغرف تضيء، القمر في أوج اكتماله، وحركة مثيرة للانتباه بين الشوارع، السماء بقبتها المرصعة بالنجوم تطلق شهابا. أطل الناس من نوافذهم على أمل ألا يحدث شيء مكروه في الأرض، ومن بعيد تسمع طقطقة العسس على إفريز سور القصر وقرقعة السلاح تتأهب لكل جديد.
كل الحاشية تحيط الملك إلا صاحب الديوان الذي غاب في الأزقة معانقا شبحا من نور!
أمر الملك قواده للبحث عن شيء يحاك في الخفاء ومراقبة الحارات الغاصة بالناس وأوصى بدار صاحب الديوان الذي يغيب في لحظة تاريخية.
دخل قائد الجواسيس إلى دار كاتب الديوان من الباب الخلفي، مقنعا يحيطه حرس من كل جانب، كان باب الدار مفتوحا، وكانت هنالك على بساط الجلد كتب منثورة يضيئها شمعدان مشدود بسلاسل من السقف، كانت هنالك أسطر بصمغ جديد، وفي كل كتاب سطر:
" هذه المملكة صنعت من جماجم الناس الطيبين"
"كل الأرض وطني وديني الإنسانية"
"ومتى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار"
"يوم نبعث سنعلم"
*
- ماذا ألم بالمدينة؟
قال الأول:
- رجل طارئ
قال الثاني:
- حراسنا قبضوا على كاتب الديوان متلبسا بالخيانة


*
لم يرغب أن يستعجل المشي في الشوارع الوسيعة لأنه يدرك أن الحرس بالمرصاد، تصله أصوات السيوف وهي تسل من الأغمدة وبدا له أن يستقر في بيته على حدود المدينة، لقد أصبح وجوده حقيقيا.
وفي الطريق تلمس سيقان اللبلاب وهي طالعة من تحت الجدار: هذه الأوراق كثيرا ما شاهدت شروده وتشرده بين عناقيدها، فكر فيما إذا قتل صاحب الديوان، حينها سيضطر للظهور كشبح ليلي أمام الحراس ليثير قلق المملكة.



التصنيف : شعراء و كتاب مدينتنا

1 التعليقات في "كاتـب الديـوان"

  1. علي بن دباب قال:

    بارك الله فيكم ووفقكم الى الافضل

اترك تعليقا :


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل